اخبار اليوم للخطاب الفني.. ربٌّ يحميه!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

تحوّل مفهوم «الخطاب الدينى» إلى أكليشيه تعبيري دارج تتداوله الألسنة والمنابر الإعلامية والرسمية في نداءات متكررة للإصلاح وتوجيه السلوك وإرشاد النفس نحو ترسيخ أخلاق وقيم ومبادئ الإسلام.. والعنوان في جوهره له أهميته ودلالته وتأثيره في تصحيح الأفكار الخاطئة وتنقية مناهج التعليم الديني من شوائب التخلف والرجعية والانغلاق، فضلًا عن تزويد الدعاة ورجال الفقه والشريعة وعلوم الإسلام بمختلف فروعها ومستوياتها بأسلحة تنوير وتوعية تجمع بين ثوابت العقيدة والاستيعاب المستبصر بمتغيرات العصر وتطوراته، بما يضيف للدين ولا يسحب منه على الإطلاق.

كانت دائمًا هذه هي الدعوة لتجديد الخطاب الديني وتحديث مفرداته وأدواته في مواجهة طيور الظلام وخفافيش الإرهاب وأجنحة التطرف والتعصب.. وكان الجميع يفكرون ويتدبرون الأمر لتفعيل الفكرة وتطبيقها داخل مؤسساتنا الدينية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف بكل تاريخه وثقله المحلي والعالمي.. حتى وطأت قدم العبدلله عتبة المسرح القومي بالعتبة لأشاهد العرض المسرحي الرائع «المحاكمة» للمخرج الجريء طارق الدويري وأعيش حالة ثقافية خاصة، محورها الصراع الشرس بين المقدسات وحرية التفكير والتشكيك من أجل المزيد من المعرفة واليقين.. وبعد أكثر من ساعتين اكتشفت خطابًا من نوع آخر لا يقل ضرورة وحتمية عن التوجه الديني لتحقيق هدف الإصلاح وحماية الإسلام، بل وتأكيد قواعده القائمة على إعمال العقل والفكر والخيال وابتكار الحلول لأمورنا الدنيوية والروحانية معًا.. فجاءت المباراة الدرامية المثيرة بين ممثل التابوهات الفنان المثقف، أشرف عبدالغفور، بكل ما يمتلكه من خبرة وطلاقة لفظية وبلاغة لغوية، وبين سفير الاجتهاد والعقل الفنان الواعي، سامي عبدالحليم، بكل مشاعره الفياضة المؤمنة بقيمة ما ميز به الله الإنسان عن سائر المخلوقات..

وعبر الحوار المسرحي البديع المغلف بالرؤية الإخراجية المحترفة- رغم تحفظي على إغراقها في تفاصيل تكنيكية قد تسبب إرهاقًا بصريًا وذهنيًا في معظم فترات العرض- تجلت روح الخطاب الفني ودور المسرح «أبوالفنون» في القدرة على النفاذ إلى العقل والوجدان لإعادة صياغة وتشكيل الكثير من المفاهيم وإزالة الضباب الذي يخيم على المشهد الديني في مجتمعنا المريض بنماذج طفيلية تتسلق على شجرة الوعظ والإرشاد وغسل الدماغ.. ومثل هذه النوعية من العروض الفنية بالفعل تحمل سلاحها الكفيل بنشر ثقافة التسامح والتفكير الإبداعي لخدمة المجتمع باعتبارهما عماد الدين ولُب قضيته ورسالته، وتساهم بدرجة كبيرة في مهمة تجفيف منابع الإرهاب لأنها تفتح «طاقة النور» أمام عقول ووعي وبصيرة الأجيال القادمة.. وبالتالى تستحق المزيد من ليالي العرض والتجول في المحافظات والقرى والنجوع، فتبقى أبواب المسرح مفتوحة للنقاد والمثقفين والجمهور العادي لينهلوا من الخطاب الفني أشياء جديدة تعينهم على تحديات «الدراما الهابطة» من انهيار الذوق وفساد السوق.

كما يحتاج هذا المسرح الثائر إلى غطاء إعلامي وسياسي مقارنة بما تحظى به نماذج أخرى لا ترقى إلى مستوى كلمته وعمق نظرته، من خلال تسليط «فضائياتنا» الضوء على رحلة تكوين التجارب الخصبة التي تنهض بالأمم والشعوب.. ومن البديهي أن يتم تسجيل وتوثيق مسرحيات من هذه الفصيلة النادرة لتضرب مثلًا في الفن الأصيل البناء وتظل في ذاكرة المتفرج العادي لا في أرشيف المسرح القومي فحسب.

هذه هي كلمتي بمنتهي الصدق والأمانة.. أقولها وأسجلها في الوقت الذي فاقت إيرادات مسرحية «قواعد العشق الأربعين» على المسرح الحديث بقصر العيني الخيال كنموذج لخطاب فنى آخر.. وبعد أن تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الفنان الممتاز المخلص عماد الراهب، أحد أبطال عرض «المحاكمة»، في «القومى»، أبلغني بأن العمل سيطفئ أنواره لأسباب إدارية وخلافات مالية رغم كل ما قيل في السطور السابقة!!.. فهل نستسلم ونرضخ لمعاول الهدم والتدمير ونقول في النهاية: «للخطاب الفني ربٌّ يحميه»؟!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق