اخر الاخبار الثأر والحداثة

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

ممارسات الثأر التي تحدث في عالمنا تقوم على نظام اجتماعي ينبغي فهمه بعمق، حيث يقوم نظام الثأر على مجموعة من القواعد الناظمة للعلاقات الاجتماعية والممارسات والقيم المرتبطة بالثأر، والتي يتداولها الناس فيما بينهم اجتماعياً وتنتقل بينهم عبر الأجيال. ويحظى الثأر بقبول مجتمعي بموجب كونه يلّبي حاجات اجتماعية واقتصادية وثقافية سائدة، فهو ليس مجرد جريمة قتل ترتكب عشوائياً لإشباع رغبة في الانتقام أو القصاص لجرم سابق، بل هو نظام اجتماعي متماسك له ملامحه الأساسية ومبادئه الخاصة التي تحكمه.
من أهم ملامح هذا النظام، أنّ كلّ من يُقتل لا بد أن يُؤخذ بثأره عن طريق قتل شخص واحد فقط من الطرف المقابل، وأنّ الاعتداء على حياة شخص يعتبر اعتداء على الجماعة القرابية التي ينتمي إليها، كما أنّ جماعة المعتدي تكون مسؤولة ككل عن اعتدائه. ولا يؤخذ بالثأر إلا من الذكر البالغ، الرجل القادر على حمل السلاح وعلى الدفاع عن نفسه.
ويقوم الثأر بين الوحدات القرابية المتمايزة، فليس ثمة ثأر في الجماعة القرابية الأبوية (البدنة) إلا في حالات نادرة أو حين تتفرّع الجماعة القرابية الأبوية الكبيرة إلى وحدات أو بدنات صغيرة مستقلة اقتصادياً وسياسياً إحداها عن الأخرى. كما أنّ المساواة في الخسارة عامل أساسي في حسم الصراعات الثأرية، فقتل واحد من عائلة يستوجب قتل شخص في المقابل من العائلة الأخرى. والوصول إلى نقطة التعادل في عدد القتلى هو أساس انتهاء العداوات الثأرية. غير أنّ قتل رب العائلة قد يستوجب، في نظر العائلة المعتدى عليها، الثأر بقتل أكثر من رجل. ولهذا فإنّ فرص تحقيق المساواة في الخسائر تظلّ ضئيلة مما يترتب عليه استمرار حوادث الثأر لعدة أجيال.
تظلّ الدولة غير قادرة على التخلص من الثأر مهما بلغت شدّة إجراءاتها القانونية والشرطية والقضائية، ومهما غلظت من العقوبة. وحتى لو استطاعت الأجهزة الأمنية والقضائية الكشف عن مرتكبي حوادث القتل ومعاقبتهم بالسجن، فإنّ أهل المجني عليهم يتعقبون بإصرار لا يلين أقارب القاتل حتى يتم النيل من أحدهم أخذاً بثأرهما.
وتلعب القرابة دوراً بالغاً في تعميق تضامن الجماعة القرابية الأكبر مع الأسرة المباشرة للقتيل بما يعني اتساع المسؤولية الاجتماعية في الأخذ بالثأر وتدرجها بما يؤدي إلى تفاقم الصراع الثأري واتساع نطاقه واستمراره أجيالاً طويلة.
ومن الواضح أن تقارب السكان في المستوى الاجتماعي يجعل لديهم شعوراً قوياً بأنّ الرجولة هي محل اعتزاز وتقدير، وبالتالي عدم تقبُّل السيطرة والخضوع لأي عائلة أو قبيلة، بحيث يعدّ الاعتداء على أي شخص من قبيلة ما اعتداء على رجولة القبيلة يستوجب الاعتداء بالمثل لاستعادة شرف الرجولة.
ولا تلعب المرأة دوراً أساسياً في نظام الثأر من حيث الاشتراك الفعلي في هذا النظام وإن كانت تغذيه بالحث عليه وتنشئة الأبناء الذكور على أنّ الرجولة تعني القدرة على الأخذ بالثأر.
كيف يمكن القضاء على الثأر في المجتمعات العربية؟ والإجابة بسيطة بالطبع ولكنها مستعصية كالسهل الممتنع، فلا سبيل أمامنا سوى التغيير الاجتماعي الشامل للبنية الاجتماعية التقليدية التي يعمل في ظلها نظام الثأر. وفي هذا الإطار يعد التعليم، بلا شك، عنصراً حاسماً في بناء البشر على أسس جديدة تقوم على الاحترام والعمل المشترك والمواطنة واحترام سيادة القانون، وتحرّر الفرد من قيود الجماعة القرابية والعصبيات التي تغذي نظام الثأر، وفق تعبير أبوزيد. كما أنّ برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الشاملة كفيلة على المدى البعيد بأن تخلق مجتمعاً جديداً يخلو من الثأر. وكل ذلك يعني أنّ الدولة الحديثة التي نشأت في العربي لا تزال غير قادرة على مكافحة الفقر والبداوة والقبلية وغير قادرة على اكتمال مشروع الحداثة".
هذه إضاءة على النسج الاجتماعية في المنطقة، في تركيبتها وتكوينها، وتفاعلها الاجتماعي والمدني، وفي ديمومة إنتاجها، لقيمها وعلائقها وتركيبتها. تناولت هنا، وجها لوجوه التخلف، في العقل المحلي وضميره ولاوعيه ومخياله، وعن الاستعدادات لديه للاستمرار على حاله، في الاستقواء بكثرة العدد، في العشيرة والعائلة، والإقدام على الجريمة، واستمرائها واستسهالها، وإباحة ارتكابها، بل واجب فعلها، كبطولة وشرفية، وفحولة، وقيمة عليا، وعلى الضفة المقابلة مناداته بالقيم التقدمية والمدنية والعصرية، كقيم الديمقراطية الحديثة والحداثة، وهل المناداة والتطلع والصياح لتغيير سيرورة المجتمع كاف، ونشوء عقلية جمعية مدنية في منطقتنا؟ أم أنّ من الدلائل، على ظهور بذورها فعلا، هو مشاهدات حقيقية، على النقيض لهذه الإضاءات، للتخلف المتأصل، في النسيج الاجتماعي، أو لنكن واقعيين فنقول تغير تدريجي، نحو العقلانية الحديثة، التي هي أساس المدنيات الحديثة، ولب لبابها، ومسار التقدم الحقيقي والفعلي.

المصدر : العربى الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق