اخر الاخبار سفر عبر الزمن

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

كان مطر أواخر الشتاء، خفيفاً، دافئاً، يمكن لعاشقين السير تحته حتى نهاية . هذا ما خطر في بالي، أنا الذي لم يبرأ، تماماً من الغنائية، رغم آثار الكيّ التي في وسعي تحسّس ندوبها في غير موضعٍ من جسدي. لكن الكيَّ آخر الدواء، كما يقولون، لا يضمن الشفاء. سيترك ندباً فقط، وذكرى. وعندما فكَّرت على ذلك النحو الغنائي، المثير للشفقة، أطلّت صورةٌ تركتها هناك، من بين المطر الخفيف الذي تكشطه، بصوت ميكانيكي مزعج، مساحتا السيارة. ثم فكَّرت، بغرابةٍ، أن على السائق تبديل هاتين المسَّاحتين المزعجتين. كأنَّ هذا الانحراف في تفكيري عملٌ دفاعيٌّ يقوم به دماغي، لصرفي عن إلحاح الصورة التي كانت تنتظر عناقاً لم يحصل.
كنا ثلاثة أشخاص في السيارة. وهي ليست سيارة أجرة. إنها سيارةٌ خاصة لهذا الرجل الأربعيني، أو الخمسيني، الذي سيقلنا إلى أقرب نقطة من حاجز تفتيش قبل الدخول إلى منطقة "القلعة"، مقصدنا النهائي، نحن الركاب الثلاثة الذين لا نعرف بعضنا إلا بالوجه. كان الرجل – السائق قد اتفق معنا على أن ننزل قبل حاجز التفتيش، ثم نلفّ حوله، على مسافة نصف ميل، نخوض خلالها في أرض زراعيةٍ يبدو أنها مزروعة بالحنطة أو الشعير.. الذي بدأت سوقه الخضر بالارتفاع عن الأرض والتمايل.
ثم، فجأةً، حدث هذا: وجدتُني ويونس، في مشهديْن متوازيين، يفصل بيننا حاجزٌ شفّافٌ يشبه السراب، أو الزجاج المتموّج يشفُّ عما خلفه: يونس، في الرابعة عشرة، برفقة صديقٍ له في عمره، داكن البشرة، ليس له ملامح واضحة، يقفان، تحت مطرٍ خريفي، على جانب طريق يؤدّي، كما يبدو من اللافتة الحديدية الكبيرة بالقرب منهما، إلى المدينة الحدودية "باء". وفي المشهد الموازي، شاب في العشرين من عمره، هو أنا، مع ثلاثةٍ أشخاصٍ، لا تربطني بهم علاقة. تحت مطر أواخر الشتاء نقف، في لقطةٍ جامدة، في حقل حنطة موحل. لم يطل الجمود الذي يطبع هذين المشهدين المتوازيين. دبَّت فيهما الحركة، فراح يونس ورفيقه يمشيان. انبعج الحاجز الفاصل، كما لو كان فقاعة صابون. صار بإمكاني أن أراهما بلا تموّج، وأسمع، بوضوح، خبَب أقدامهما على الجانب الشمالي للشارع المعبَّد، حيث تتطاول أعشابٌ خضراء، ريّانة، يتساقط عليها رذاذٌ متواصل، يجعلها، مع هواء خفيف، تنحني قليلا.
في نقطةٍ ما من مشينا، في المشهدين المتوازيين، سألني يونس، كأنه يراني للمرّة الأولى، فيما لم يلتفت رفيقه داكن البشرة إلى ما يجري بيننا:
-من أنت؟
-أنا أدهم.
-كأنني رأيت وجهك من قبل.
-بالتأكيد. أنت بالذات تعرفني أكثر من أي أحد آخر.
-لماذا؟
لأنني أنت.
-ماذا؟
-كما سمعت.
-كيف أكون أنا أنت، واسمك أدهم فيما اسمي يونس، أنت رجلٌ ذو لحية كثَّة، وأنا صبيٌّ يحاول أن يكون أكبر من سنه؟
-هذا تفصيلٌ بسيط، يمكن تدبرّه بالمكياج والمؤثرات التي تكبّر وتصغّر.
وأنا ألفظ الكلمة الأخيرة، سُمع صوت انفجار قوي. ارتعب يونس. ارتدَّ إلى الوراء، كما لو أن يداً دفعته بقوة. فقلت له، وهو يتطلع إليّ كمن يطلب مساعدة، أو تفسيراً: إن الأرض التي تمشي فيها حقل ألغام، وما سمعته هو لغم انفجر براعي غنمٍ يبعد عنك نحو ميل، أو أكثر، في اتجاه الحدود. سألني ماذا عليه أن يفعل، فقلت له: بما أنكما لم تطآ لغما حتى الآن، فالأفضل أن تعودا إلى الوراء، واضعين أقدامكما في المواضع نفسها التي دستما عليها من قبل. ثم سألني ما إذا كانا سينجوان. فقلت له إن هذا خرقٌ لـ "قواعد اللعبة". فقال: أي لعبة؟ فقلت له: السفر عبر الزمن!

المصدر : العربى الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق