اخر الاخبار الطبقة مدينة السد وفسيفساء سورية

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

إلى الغرب من مدينة الرقة، في شمال سورية، كانت هناك قرية زراعية صغيرة على كتف نهر الفرات تدعى الطبقة. لم يكن أهلها على علم بأنّ منتصف ستينيات القرن الماضي سيشهد تاريخاً يغير حياتهم ويحوّل بلدتهم الصغيرة إلى واحدة من أهم المدن السورية، فقد وقع الاختيار على موقع قريب منها لتشييد أكبر السدود في الشرق الأوسط، أطلق عليه اسم سد الفرات أو ما عرف أيضاً بسد الطبقة.

بناء السد دفع بالدولة إلى إنشاء مدينة حديثة باسم مدينة الثورة بجوار القرية القديمة، التي تحولت مع الزمن لتشكل الجزء الجنوبي منها ويطغى اسمها على اسم المدينة الحديثة، في حين تكوّن الجزء الشمالي من أربعة أحياء حديثة تضم مرافق خدمية اجتماعية وتعليمية وصحية كما يوجد فيها مركز ثقافي، وقد بنيت على الكتف الجنوبي للبحيرة الكبيرة التي يحتجزها السد.

يعتبر سد الفرات علامة فارقة في تاريخ سورية الحديث، فما بالك بتاريخ الطبقة وأهلها؟ السد، الذي أنجز عام 1978، احتجز خلفه بحيرة يصل طولها إلى نحو 80 كيلومتراً، وعرضها في بعض الأماكن نحو 5 كيلومترات، ومحيطها 200 كيلومتر، ومساحتها 640 كيلومتراً مربعاً وحجم التخزين فيها 14.1 مليار متر مكعب، وتتفرع منها قنوات مياه تروي مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية. كما يولّد السد طاقة كهربائية كبيرة كانت تُزوّد بها مناطق واسعة في سورية، ما جعله أهم مصادر الطاقة في البلاد في مرحلة سابقة.

يقول الزميل في "العربي الجديد"، محمد أمين، وهو ابن الطبقة: "المدينة كانت صورة مكثفة عن سورية، كانت فسيفساء سوريّة بغاية التناغم، فالسد وما لحق به من مشاريع متنوعة، جعلها مركزاً بشرياً واقتصادياً في المنطقة، فوصل عدد سكان المدينة إلى نحو 70 ألف نسمة، ومع ريفها لامس عدد السكان 100 ألف نسمة تقريباً، من بينهم أشخاص من مختلف المحافظات السورية، ما صبغ المدينة بصبغة خاصة من العيش المشترك والانفتاح على الآخر. كانت هناك علاقات اجتماعية قوية بين السكان وصداقات، خصوصاً في المدارس التي كانت مساحة لتعريف التلاميذ من مختلف المناطق ببعضهم البعض".

ويلفت إلى أنّه "مع تطور المدينة تطور شكل العمل، فالغالبية كانت من الموظفين أو لديهم عمل حرفي أو صناعي أو تجاري، في حين بقيت لجزء من سكان القرية القديمة أراضٍ زراعية في محيط المدينة أو القرى القريبة".
اقــرأ أيضاً



ويضيف: "بالرغم من كون أهل المدينة لا يحبون السفر إلاّ أنّ الجفاف والسياسات الاقتصادية الفاشلة للنظام، دفعت شباب المدينة إلى السفر منذ منتصف الثمانينيات بداية إلى دول الخليج والأردن، وفي منتصف التسعينيات تحولت الوجهة إلى لبنان. ومنهم من اتجه إلى ريف دمشق ودرعا، فكانوا يعملون في الزراعة، الأمر الذي دفع عائلات إلى الاستقرار في تلك المناطق في حين بقي هناك شباب يعملون موسمياً".

ويوضح أنّ "شباب المدينة لم يكن لديهم توجه إلى المؤسسة العسكرية، فهم لم يرغبوا في ذلك بسبب طبيعتهم البدوية الكارهة للنظام العسكري، حتى أنّهم معروفون في كونهم، حين يلتحقون بالخدمة العسكرية الإجبارية، يدفعون رشى مالية للضباط لكي يقضوا معظم فترات خدمتهم في منازلهم".

حول مستوى التعليم في المدينة، يلفت أمين إلى أنّه "في ثمانينيات القرن الماضي، بات هناك اهتمام ملحوظ بالتحصيل العلمي الجامعي، فيما كانت نسبة الأمية تكاد لا تذكر، فقد كانت تنتشر المدارس بشكل جيد. وعلى سبيل المثال كانت المدينة مليئة بالمحامين والأطباء والصيادلة". ويضيف: "الطبقة مهمشة سياسياً وإعلامياً وثقافياً، بالرغم من توفر طبقة جيدة من المثقفين فيها، حتى أنّ المركز الثقافي في المدينة كان من أنشط المراكز على مستوى البلاد. وكانت للمرأة أيضاً مكانتها الاجتماعية، وفي التسعينيات بدأت نسبة تعليم الفتيات ترتفع في المحافظة".

وحول الحياة السياسية يشير إلى أنّ "معظم الشباب، خصوصاً المتعلمين، كانوا منظمين في حزب البعث العربي الاشتراكي، بحكم الأمر الواقع. وبالرغم من أنّ هناك بعض من كانوا مقتنعين بالحزب، لكنّ كثراً كانوا ينضمون إليه من أجل حماية مصالحهم، وأقلها أنّ حظوظ الحزبي أفضل في التوظيف. كذلك، كانت هناك مجموعات صغيرة من الشيوعيين والناصريين، أما معظم الأهالي فلم يكن لهم توجه سياسي، في ظل انعدام الحياة السياسية". كذلك، جعل السفر إلى دول الخليج خصوصاً "شباباً متأثرين بالتيار السلفي الوهابي، منهم من شارك في معارك 2003".

الطبقة من أوائل المدن، التي خرجت في الحراك السلمي المطالب بالحرية والكرامة عام 2011 في الرقة، وقد وصلت ذروتها في شهر يونيو/ حزيران 2011، لكن بعد سيطرة الجيش الحر عليها بداية عام 2013، سيطر عليها تنظيم "داعش" الذي أمعن في قتل واعتقال الكثير من أبنائها، ما تسبب بهجرة أعداد كبيرة من الأهالي.

يعيش اليوم في الطبقة أكثر من 20 ألف نسمة، في ظل ظروف إنسانية صعبة للغاية، بسبب العمليات العسكرية التي تشنها "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) لاستعادة المدينة من يد التنظيم الذي يستخدم المدنيين دروعاً بشرية.
اقــرأ أيضاً

المصدر : العربى الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق